كلمة الناس

كلمة الناس

مقابلات

كارثة قيس سعيد في تونس

لماذا لم تفتتح الأحزاب والفاعلون السياسيون السنة السياسية، كما في كل عام؟ ما الذي جعل المشهد السياسي في تونس، حزينا، بائسا، لا مؤشر فيه للخروج من النفق؟

درجت العائلات السياسية في تونس، منذ 30 عاما على الأقل، على افتتاح ما تسميه “السنة السياسية الجديدة” مع الفاتح من سبتمبر/أيلول من كل عام، تزامنا مع عودة التلاميذ إلى مقاعد الدراسة، وفتح الجامعات والكليات أبوابها للطلبة.

كانت الأحزاب تتشوف للموسم السياسي الجديد، عبر الإعداد له منذ فترة الصائفة، من خلال الاجتماعات الماراثونية، وإعداد ورقات عمل سياسية، وبيانات، ومبادرات سياسية، والبحث عن تحالفات حزبية، وإن بشكل محدود، وكانت جميع هذه السياقات تحيل إلى حراك سياسي لافت، كانت السلطات التونسية، خلال مرحلة الاستبداد (قبل ثورة 14 يناير/كانون الثاني 2011)، تتهيأ له عبر تعديلات حكومية، ومقترحات تشريعية، واستمالة بعض الأحزاب والمكونات السياسية؛ لسحب البساط من تحت المعارضة، وحراكها السياسي، ومن ثَم إفشال مساعي المعارضة، وجعلها تدور في “حلقة مفرغة” من المطالب التي لا تنتهي، والصوت العالي الذي لا يستكين، والسقوف التي ترتفع بلا أي منجز سياسي واقعي.. وهو ما كان يعطي للمشهد التونسي، زخما مثيرا، رغم محدودية الآفاق، في ظل حكم مستبد آنذاك.

ومع ثورة الشعب التونسي في يناير/كانون الثاني 2011، اتخذ المشهد السياسي، شكلا آخر من التنظيم، وارتفعت سقوف الأحزاب: نشأت مكونات سياسية عديدة حد “الإسهال الحزبي”، وصعدت وجوه وتيارات، وخرج من كان في قمقمه، خائفا أو متوجسا، وبات المشهد السياسي على وتيرة عالية من التطلعات والطموحات والمطالب، بشكل خلق زخما سياسيا وفكريا وإعلاميا، سرعان ما استتبع ثورات بعض البلدان العربية، ضمن ما سُمي بـ “ثورات الربيع العربي”.

ساهمت جملة من المحددات في جعل المشهد السياسي التونسي، نموذجا في العالم العربي، تأتي إليه النخب من كل الأصقاع للاطلاع والدراسة وتقديم النصح، والدخول في مناقشات مع السياسيين والإعلاميين وصناع القرار السياسي.

ومن بين هذه المحددات:

تشكل منظمات رقابية مكثفة، تراقب السلطة، والأحزاب، والبرلمان، والانتخابات، وأشكال الفساد المختلفة والمتعددة، بمفهومه السياسي، والمالي، والتشريعي، بما جعل مكونات المشهد السياسي، تحت ضغط المنجز الاجتماعي والسياسي. وبطبيعة الحال، كانت الجملة السياسية، حاضرة بقوة في الحياة السياسية، وهي جملة متعددة ومتنوعة، ونشيطة، وفي حراك دائم، بالمنطق التوليدي للأفكار، ما خلق صراعات وتجاذبات وتباينات، شكلت إطارا لمضامين سياسية جديدة، بصرف النظر عن التقدير السياسي والأيديولوجي لها.

المناخ السياسي الحر، الذي أوجدته الثورة، وأشعرت الناس والأحزاب والسياسيين، وغيرهم من اللاعبين في المشهد، بوجود حرية مكفولة للجميع، وتنوع وتعدد فكري وسياسي لافت.. عرف المشهد أكثر من 200 حزب، ونحو 10 آلاف جمعية ومنظمة، أو تزيد، وآلاف الاحتجاجات، والاجتماعات والمبادرات السياسية والتشريعية، بالإضافة إلى تشكل تحالفات في اليسار واليمين، ضمن مكونات أيديولوجية وحزبية، نشيطة وفاعلة.

الحراك السياسي والاجتماعي، استعدادا للمواعيد الانتخابية، وما يتبع ذلك، من ترتيبات ونقاشات وجدل واسع، حول القانون الانتخابي، والنظام السياسي، وقانون الأحزاب، وقانون الجمعيات، ومواضيع الحريات والحقوق، وما رافق ذلك من جدل ديني، لا يبدو أنه حسم جميع الاختلافات والتباينات بين العائلات الفكرية والسياسية في البلاد، لكنه أعطى الانطباع، بأن التونسيين، يصوغون مستقبلهم ومستقبل الأجيال القادمة بحرية، دون عسس أو بوليس سياسي، أو سطوة الدولة ورقابتها البوليسية التي دأبت عليها أنظمة عديدة في عالمنا العربي، إذا استثنينا بعض الدول، وهي تعد على أصابع اليد الواحدة.

وجود تمفصل واضح، بين السلطات الحاكمة، وأساسا بين رئاسة الجمهورية، والمجلس الوطني التأسيسي، ورئاسة الحكومة، قبل أن يضاف إليها جملة من الهيئات الدستورية المستقلة، التي كانت شكلا من أشكال الرقابة ضد أي عملية تراجع القهقرى إلى مرحلة ما قبل الثورة.. وهكذا كان المشهد السياسي، يتحرك بعجلات متعددة ومتنوعة، يراقب بعضها البعض، فقد كان الجميع يضع يديه على قلبه، خشية النكوص عن الثورة والتجربة الوليدة.

الإعلام الحر، الذي لعب دورا مركزيا في مرحلة الثورة، أي طوال السنوات الأولى من مخاضاتها، بشكل جعله قاطرة للوعي السياسي والمجتمعي، ويكفي هنا الإشارة إلى أن تونس شهدت في تلك الفترة، ولادة نحو 360 صحيفة؛ (يومية وأسبوعية)، ونحو 20 إذاعة محلية، وأكثر من 15 محطة تلفزيونية، بالإضافة إلى مراكز بحوث ومخابر دراسات متخصصة في الشأن السياسي.