كلمة الناس

كلمة الناس

مقالات

حرب باردة داخل أميركا

شهدت الولايات المتحدة، على امتداد العقود الستة الماضية، صعود تيار أيديولوجي مركب يمزج بين العقيدة الدينية والهوية العرقية والولاء القومي في صيغة باتت تُعرف بالمسيحية القومية البيضاء.

وقد نجح هذا التيار في الانتقال من هوامش المجتمع إلى صلب الحياة السياسية، حيث استطاع أن يؤثر في تشكيل الخطاب العام، وأن يحشد قطاعات واسعة خلف شعاراته، وصولا إلى ذروة تجليه في العقد الأخير مع بروز النزعات الشعبوية، وصعود اليمين المتطرف.

ولم يعد هذا التيار مجرد ظاهرة دينية أو ثقافية، بل أصبح مشروعا سياسيا متكاملا يسعى إلى إعادة تعريف هوية الأمة الأميركية نفسها. فهو يقوم على أسطورة أن الولايات المتحدة وُلدت أمة مسيحية بيضاء، وأن الانحراف عن هذا “الإرث” هو السبب وراء أزمات الحاضر. ومن ثم، فإن أي محاولة لإصلاح المجتمع، أو توسيع نطاق الحقوق والحريات تُصور بوصفها تهديدا وجوديا يستدعي التعبئة والمواجهة.

ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولايته الثانية 2025، اكتسب هذا المشروع زخما جديدا. لقد بات واضحا أن الصراع لم يعد مجرد جدل سياسي بين تيارات متباينة، بل أصبح معركة حول طبيعة الهوية الأميركية ذاتها: أتظل فضاء تعدديا يعكس المساواة بين المواطنين، أم تتحول إلى هوية تُختزل في دين واحد وعرق واحد؟

إن الاستقطاب الذي يتولد عن هذا الجدل العميق يكاد يُشبه، في طبيعته وأثره، حالة نزاع أهلي طويل الأمد، حتى وإن لم يخرج بعد إلى ساحات الاحتراب المفتوح.

السادس من يناير/كانون الثاني كمنعطف كاشف

شكل اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021 علامة فارقة في التاريخ الأميركي المعاصر. فلم يكن الأمر مجرد احتجاج صاخب على نتائج انتخابات، بل كان مشهدا فريدا تجلت فيه الرموز الدينية جنبا إلى جنب مع الشعارات السياسية، لتعلن عن ولادة لحظة جديدة في العلاقة بين الدين والسلطة.

فالأعلام التي حملت مضامين دينية إلى جانب اسم ترامب، والتراتيل والصلوات التي رافقت الهجوم، واللافتات ذات الطابع الديني المرفوعة في الساحات، كلها أوحت بأن الفعل لم يكن مجرد تحدٍّ لمؤسسة سياسية بل أداء طقسيا يستبطن فكرة “المعركة المقدسة”.

ولم يأتِ هذا الحدث من فراغ، بل كان ثمرة مسار طويل من التعبئة الأيديولوجية داخل الجماعات الدينية المحافظة التي تبنت خطاب “الأمة المختارة” و “المؤامرة على القيم المسيحية”. فلسنوات عديدة جرى تعبئة قواعد اجتماعية واسعة على قاعدة أن الديمقراطية التعددية تهديد، وأن الدفاع عن الوطن لا يكتمل إلا بفرض سيطرة الهوية المسيحية البيضاء.

وفي هذا السياق، بدا الاقتحام كأنه التعبير العملي عن عقود من التحريض والاستعداء، وكأن لحظة الانفجار قد تأجلت طويلا حتى تجسدت فجأة أمام أنظار العالم.

وقد كشف السادس من يناير/كانون الثاني أن الديمقراطية الأميركية لم تعد مهددة من قوى خارجية فحسب، بل من الداخل أيضا، عبر حشود ترى نفسها حامية للوطن، لكنها في الواقع تهدم أسسه.

ولم يكن الحدث خاتمة لمرحلة، بل إيذانا ببدء فصل جديد؛ فصل تتراجع فيه الحدود بين السجال السياسي والمواجهة العنيفة، ويغدو فيه التوتر أشبه ما يكون بـ”حرب أهلية باردة” مفتوحة على المجهول.

الجذور التاريخية والانعطافات الكبرى منذ ستينيات القرن العشرين

للوقوف على ما جرى في السادس من يناير/كانون الثاني، لا بد من العودة إلى العقود السابقة، حيث شهدت الولايات المتحدة تحولات عميقة منذ ستينيات القرن العشرين.

ففي ذلك العقد، برزت حركة الحقوق المدنية التي قوضت الأطر القانونية لنظام الفصل العنصري، وفتحت الباب أمام مشاركة الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية في المجال السياسي والاجتماعي على نطاق أوسع.

كما تعززت أصوات المطالبة بالمساواة في الفرص داخل التعليم والعمل، وهو ما اعتبرته شرائح واسعة من المحافظين البيض تهديدا مباشرا لمكانتهم التاريخية.

وفي موازاة ذلك، شهدت البلاد احتجاجات طلابية واسعة ضد الحرب في فيتنام، وصعود موجة ثقافية تدعو إلى التحرر من القيود التقليدية، وتطالب بدولة أكثر عدالة وانفتاحا.

وقد ولدت هذه التغييرات مناخا من القلق في أوساط المحافظين الذين رأوا أن الولايات المتحدة تنزلق بعيدا عن جذورها، وأن الدولة الفدرالية باتت أداة لفرض رؤى لا تنسجم مع ما اعتبروه هوية البلاد الأصلية.

وأخذ هذا القلق شكلا سياسيا مع ما عُرف بـ “الإستراتيجية الجنوبية” في الحزب الجمهوري، حيث جرى استقطاب الناخبين البيض في ولايات الجنوب الذين شعروا بالخسارة والخذلان بعد تبني الحزب الديمقراطي تشريعات الحقوق المدنية.

وبهذا، تحولت الهوية العرقية والدينية إلى رصيد انتخابي يُستثمر سياسيا، وأصبحت لغة “حماية القيم التقليدية” و”الدفاع عن الوطن” وسيلة لجذب الملايين إلى معسكر اليمين.

وفي سبعينيات القرن العشرين، تزايدت حدة هذا التوجه عبر شبكات إعلامية ومنظمات ضغط تشكلت لصد ما سُمي بـ “التغيرات الثقافية الجذرية”. وبرزت كيانات قادرة على حشد المؤمنين المحافظين في مواجهة ما اعتبروه تهديدا لأسلوب حياتهم، وترافقت مع خطاب يحذر من أن الأمة مهددة من الداخل بفعل قوى سياسية واجتماعية لا تحترم “النظام الطبيعي”.